فخر الدين الرازي
382
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قوم محمد عليه السلام لما أظهروا السفاهة حيث قالوا : هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ [ ص : 4 ] واستهزءوا به حيث قالوا : رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ [ ص : 16 ] فقال تعالى في أول الآية : اصبر يا محمد على سفاهتهم وتحمل وتحلم ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود ، فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على إيذائهم وتحمل سفاهتهم وحلم ولم يظهر الطيش والغضب ، وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه ، أما إذا حملناها على ما ذكروه صار الكلام متناقضا فاسدا والرابع : أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا الخصمان كانا ملكين ، ولما كانا من الملائكة وما كان بينهما مخاصمة وما بغى أحدهما على الآخر كان قولهما خصمان بغى بعضنا على بعض كذبا ، فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين أحدهما : إسناد الكذب إلى الملائكة والثاني : أن يتوسل بإسناد الكذب إلى الملائكة إلى إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء ، فأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة ، وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء ، فكان قولنا أولى ، فهذا ما عندنا في هذا الباب ، واللّه أعلم بأسرار كلامه ، ونرجع الآن إلى تفسير الآيات . أما قوله : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ قال الواحدي : الخصم مصدر خصمته أخصمه خصما ، ثم يسمى به الاثنان والجمع ولا يثني ولا يجمع ، يقال هما خصم وهم خصم ، كما يقال هما عدل وهم عدل ، والمعنى ذوا خصم وذوو خصم ، وأريد بالخصم هاهنا الشخصان اللذان دخلا على داود عليه السلام ، وقوله تعالى : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ يقال تسورت السور تسورا إذا علوته ، ومعنى : تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ أي أتوه من سوره وهو أعلاه ، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها . وأما المحراب فالمراد منه البيت الذي كان داود يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه ، وسمي ذلك البيت بالمحراب لاشتماله على المحراب ، كما يسمى الشيء بأشرف أجزائه ، وهاهنا مسألة من علم أصول الفقه ، وهي أن أقل الجمع اثنان عند بعض الناس ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، لأنه تعالى ذكر صيغة الجمع في هذه الآيات في / أربعة مواضع أحدها : قوله تعالى : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ ص : 21 ] ، وثانيها : قوله : إِذْ دَخَلُوا ، وثالثها : قوله : مِنْهُمْ ، ورابعها : قوله : قالُوا لا تَخَفْ فهذه الألفاظ الأربعة كلها صيغ الجمع ، وهم كانوا اثنين بدليل أنهم قالوا خصمان ، قالوا فهذه الآية تدل على أن أقل الجمع اثنان والجواب : لا يمتنع أن يكون كل واحد من الخصمين جمعا كثيرين ، لأنا بينا أن الخصم إذا جعل اسما فإنه لا يثنى ولا يجمع ، ثم قال تعالى : إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ والفائدة فيه أنهم ربما تسوروا المحراب وما دخلوا عليه ، فلما قال : إذ دخلوا عليه دل على أنهم بعد التسور دخلوا عليه ، قال الفراء : وقد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد ، كقولك ضربتك إذ دخلت علي إذ اجترأت ، مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحدا ، ثم قال تعالى : فَفَزِعَ مِنْهُمْ والسبب أن داود عليه السلام لما رآهما قد دخلوا عليه لا من الطريق المعتاد ، علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر ، فلا جرم فزع منهم ، ثم قال تعالى : قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ وفيه مسائل : المسألة الأولى : خصمان خبر مبتدأ محذوف ، أي نحن خصمان . المسألة الثانية : هاهنا قولان الأول : أنهما كانا ملكين نزلا من السماء وأراد تنبيه داود عليه السلام على قبح العمل الذي أقدم عليه والثاني : أنهما كانا إنسانين دخلا عليه للشر والقتل ، فظنا أنهما يجدانه خاليا ، فلما رأيا عنده جماعة من الخدم اختلقا ذلك الكذب لدفع الشر ، وأما المنكرون لكونهما ملكين فقد احتجوا عليه بأنهما